ابن الجوزي
482
كتاب ذم الهوى
فرسي يمينا وشمالا فإذا أنا بفارس ، فلما دنا مني إذا هو غلام حين بقل وجهه ، من أجمل من رأيت من الفتيان وأحسنهم ، فإذا هو قد أقبل من نحو اليمامة ، فلما قرب مني سلّم فرددت عليه ، وقلت : من الفتى ؟ قال : أنا الحارث بن سعد فارس الشهباء . فقلت له : خذ حذرك فإني قاتلك قال : بل الويل لك ، من أنت ؟ قلت : أنا عمرو بن معدي كرب . قال : الحقير الذليل ، واللّه ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك . قال : وتصاغرت نفسي إليّ ، وعظم عندي ما استقبلني به ، فقلت له خذ حذرك فو اللّه ما ينصرف إلا أحدنا . قال : اغرب ثكلتك أمك ، فإني من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط ، فقلت : هو الذي تسمع فاختر لنفسك ، فقال : إما أن تطّرد لي وإما أن أطّرد لك . فاغتنمتها منه فقلت : اطّرد لي . فاطرد ، وحملت عليه حتى إذا قلت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه إذا هو قد صار حزاما لفرسه ، ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي ، وقال : يا عمرو خذها إليك واحدة فو اللّه لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك . فتصاغرت إليّ نفسي وكان الموت واللّه يا أمير المؤمنين أحبّ إليّ مما رأيت . فقلت : واللّه لا ينصرف إلا أحدنا . فقال : اختر لنفسك . فقلت : اطّرد لي . فاطرد ، وظننت أني قد تمكّنت منه واتبعته ، حتى إذا ظننت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه ، فإذا هو قد صار لببا « 1 » لفرسه ، ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة ، وقال : يا عمرو خذها إليك اثنتين . فتصاغرت إليّ نفسي ، فقلت : واللّه لا ينصرف إلا أحدنا . فقال : اختر لنفسك فقلت : اطّرد لي . فاطّرد حتى إذا قلت وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه ، فإذا هو على الأرض فأخطأته ومضيت ، فاستوى على فرسه ، فاتّبعني فقرع بالقناة رأسي ، وقال : يا عمرو خذها إليك ثلاثا ، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك . فقلت له : اقتلني أحبّ إليّ مما أرى بنفسي وأن تسمع فتيان العرب بهذا . فقال
--> ( 1 ) اللبب : ما يشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل .